أخبار عاجلة
الرئيسية » إصدار الأسبوع » نقطة إلى السطر : نقاش على هامش الدعوة إلى التعليم بالدارجة

نقطة إلى السطر : نقاش على هامش الدعوة إلى التعليم بالدارجة

 

    فتح الله رمضاني : 


مع عودة النقاش حول إمكانية  اعتماد الدارجة كلغة للتلقين في المؤسسات التعليمية بالمغرب، استحضرت هذا المقال، الذي أعيد تقاسم معكم ما جاء فيه من أفكار، وهو مقال كان قد   نشر في يومية  الاتحاد الاشتراكي عدد 11 – 12 – 2013، في ملف خصصته الجريدة لنقاش المسألة التعليمية بالمغرب، وهو ملف تضمن مساهمات و مواقف العديد من المثقفين و الأساتذة المغاربة، بخصوص الآليات و التدابير الكفيلة بتأهيل المنظومة التعليمية بالبلاد، بالإضافة إلى مواقفهم بخصوص  ما عرف آنذاك بدعوة ” عيوش “، أو توصية ” عيوش”.

نقاش على الهامش 

في كل دول العالم الشمالية منها والجنوبية, تأخذ مسألة التربية والتعليم حيزا كبيرا من النقاش وعلى جميع المستويات, حيث أن أهمية المسألة وعلاقتها المباشرة بحاضر الدول ومستقبلها تجعلها تتعدى النقاش الأكاديمي المؤسس على أطروحات علمية وتجارب دولية متعددة إلى نقاش مجتمعي تغلب عليه أحيانا كثيرة نزعات فردية يحكمها الإنتماء العرقي والإديولوجي وتتدخل فيه المصالح السياسية.

وهذا بالطبع ما تميزت به غالبية المداخلات خلال الأسابيع القليلة الأخيرة والتي همت نقاش إصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب مختزلة إياها بقصد أو عن غير قصد في نقاش هامشي معزول يخص دعوة استعمال الدارجة المغربية كلغة للتلقين، خصوصا في المستويات الأولى من التعلم.


هذه الدعوة ومعها دعوات أخرى والتي أدرجت في إطار توصيات لندوة نظمتها جمعية متخصصة في القروض الصغرى والتربية وبحضور شخصيات عديدة معروف مدى تأثيرها في عمليات صنع القرار السياسي في البلد، تجعل كل مهتم بإصلاح التعليم في المغرب ومتتبع لحدة نقاش مسألة اللغة فيه أن يتساءل حول دلالة تنظيم ندوة لنقاش واقع التعليم بالمغرب والبحث في آليات للنهوض به بحضور شخصيات مقربة من القصر مع تغييب الوزير المسؤول عن القطاع آنذاك؟ وحول مدى تدخل الصدف في كون وزير التربية والتعليم الحالي كان من المشاركين فيها؟ ثم ما معنى أن تستأثر الدعوة لجعل الدارجة المغربية لغة للتلقين في المؤسسات الإبتدائية المغربية بالنقاش كتوصية من بين كل التوصيات التي خرجت بها الندوة، وهل إستعمال الدارجة دون تعقيدها يلغي الحفاظ على استعمال الفصحى ولو مع تبسيطها ؟ هذه هي التساؤلات التي ربما حددت وتحكمت في طبيعة كل المداخلات في هذا النقاش وهي التي شكلت خلفية لكل الآراء والأصوات داعمة كانت أو رافضة.


والغريب في الأمر أن كل الذين حاولوا أن يقاربوا قضية اللغة ومدى استعمالاتها في منظومة التعليم، اقتصرت مقارباتهم على نقاش الدارجة وقدرتها على الإحلال محل الفصحى في العملية التعليمية، وهو نقاش مغلوط في الأصل. فالعملية التعليمية حتى وإن ارتبطت بشكل مباشر باللغة، إلا أن كل المختصين في مجال التربية يجمعون أيضا على أنها تقوم على ثلاثة ركائز وهي المدرس والكتاب ثم المدرسة، ما يعني أن نقاش المسألة التعليمية لا يصح بتغييب واحدة من هذه الركائز و لا يمكن اختزاله فقط في نقاش لغة التعليم ومدى فهمها من طرف المتمدرس، خصوصا أن لكل لغة مستويات ومفاهيم من الممكن أن توجه إلى كل فئة عمرية دون أخرى. ومعلوم جدا أنه بالرغم من التنصيص على أن اللغة العربية الفصحى هي لغة التعليم في المدرسة المغربية، إلا أن جل أو كل مدرسينا يستعينون بالدارجة كلغة للتواصل مع التلاميذ وكلغة للتلقين خصوصا في المستويات الأولى, وهذا ما يطرح الاستغراب حول هذه التوصية أو الدعوة ( دعوة عيوش) وما الجدوى منها أمام هكذا واقع للمدرسة المغربية. وهذا ما يجعلنا نفهم إستئثارها بالحيز الكبير من النقاش على حساب باقي توصيات ندوة زاكورة. والتي لا تعدو أن تكون بالونا للإختبار فقط ، كونها تشكل ومن بين كل التوصيات مدخلا مباشرا لنقاش مجتمعي يحكمه الانتماء والتعصب والإديلوجيا.


صحيح أن ندوة عيوش ودعواته حركت ولو بشكل محتشم ( سلبي غالبا) نقاش المسألة التعليمية في المغرب، صحيح أنها أخرجت أعلاما فكرية مغربية من صمتها الذي دام عقودا، لكنها وأمام حجم وحدة ردود الأفعال التي خلفتها جعلتنا نصطدم بدعوات أخرى مضادة تهدف إلى  تحقير عامية هذا الشعب، في مقابل تقديس مهول للغة العربية،  وفي ظل تغييب واضح في النقاش للغات العلوم العالمية،  وفي ظل أجواء تناست أن للمغرب دستور ينص على لغتين رسميتين وليس فقط واحدة.


صحيح أن معرفة الواقفين خلف هذه التوصيات والداعمين لهذه الدعوات يجعل الكثير منا يتخوف منها ومن أهدافها المعلنة والمضمرة. تخوف مشروع كتخوفنا من  كل الحلول الفوقية التي تدبر بعيدا عن الواقع وفي غياب المعنيين والمهتمين بشكل مباشر بالمسألة. وصحيح أيضا أن لخطاب عيد الشباب وثورة الملك والشعب الأخير وما حمل من تحليل نقدي لواقع المنظومة التعليمية دورا مهما في فتح نقاش المسألة التعليمية بالمغرب، ولربما كان هو الدافع لانعقاد ندوة زاكورة كخطوة للسبق وشكل من أشكال التفاعل السريع والمتسرع معه ( أي الخطاب).


إن المكانة المهمة التي تحتلها المسألة التعليمية في مخططات الدولة وككل الدول تفرض بالموازاة مع روح النقد الإيمان بضرورة تظافر جهود كل القوى الحية بالبلاد، في إطار حوار وطني لا أرضية له غير واقع المنظومة التعليمية – المتسم بالفراغ بعد خطأ الحكومة الحالية في نسختها الأولى والمتمثل في سحب المخطط الاستعجالي دون الإتيان ببدائل لتعويضه – عبر إشراك كل المعنيين بها وفيها، من أجل عملية حقيقية لإنضاج نقاش المسألة التعليمية والوقوف عن كثب على اختلالاتها ومعيقات نجاعتها، انطلاقا من قراءة جديدة للواقع المغربي يراعى فيها مقتضيات العصر وحاجات الاقتصاد والقيم الضرورية للمواطنة كي تصبح المدرسة المغربية مشتلا لتربية المغاربة تربية مسلحة بالحس المواطناتي لا فقط أداة للتقليص من نسب الأمية.

 


 



شاهد أيضاً

وليام سوينغ يشارك في الذكرى 4 للسياسة الوطنية للهجرة

إصدار: قال مصدر ديبلوماسي مطلع على أن “وليام لاسي سوينغ” المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء إدخال كلمة التحقق البشري *