أخبار عاجلة
الرئيسية » إصدار متنوع » التجربة الدنماركية و رغبات بنكيران

التجربة الدنماركية و رغبات بنكيران

فتح الله رمضاني :

 

كثيرا ما تتردد بعض الأجوبة المحددة والشائعة على ألسنة بعض الفاعلين السياسيين، والتي يحاولون من خلالها تبرير مواقفهم الانهزامية أو الرجعية واللاديمقراطية غالبا،  كأن يردد الواحد منهم، جوابا ودفاعا عن اختياراته التي يظهر للجميع أنها اختيارات بعيدة عن الشرط الديمقراطي، بأنها اختيارات براغماتية تتماشى مع الواقع المغربي، وبأنه يعيش في المغرب وليس في السويد أو الدنمارك، وهو إعلان ضمني منه، على أن هذه الدول قد قطعت أشواطا متقدمة في ترسيخ الديمقراطية وما يصاحبها من مبادئ وقيم، وغير سليم أبدا مقارنتها بالمغرب الذي يعرف ديمقراطية ناشئة.

وهو طرح سليم ولا نقاش فيه، لكنه لا ينفي أبدا، أن نطمح إلى محاكاة تجارب تلك الدول، و أن نحاول السير على الدرب الذي سارت عليه، خصوصا إذا كانت تجاربا عادية واقعية وموضوعية، ولن يكلف الاقتداء بها إلا وجود الإرادة السياسية لدى الفاعلين السياسيين، وهي الإرادة التي تستلزم أولا وقبل كل شيء، فهم الديمقراطية والإيمان بها في شموليتها، فالديمقراطية كمجموعة من القواعد واحدة وغير مختلفة، و الاختلاف بين ديمقراطية و أخرى يكون فقط على مستوى القدرة و الاستعداد على احترام تلك القواعد، هكذا هي الديمقراطية، وليس كما يعتقدها البعض، صورا مختلفة يصل فيها الاختلاف إلى مستوى التنكر للقيم التي تستتبعها، و إلى حد القفز على قواعدها و أدبياتها.

على ذكر الدنمارك، التي عرفت انتخابات تشريعية السنة الماضية، والتي تحصل فيها الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم ) خلال الولاية السابقة) على المرتبة الأولى، لكنه لم ينجح في حيازة رئاسة الحكومة، ولا في المشاركة في الأغلبية الحكومية، بالرغم من تصدره للانتخابات التشريعية، لأنه فشل في جمع أغلبية برلمانية، ليتموقع في المعارضة، وذلك لأن كل الأحزاب الدنماركية الممثلة في البرلمان رفضت التحالف معه، وفي المقابل نجح حزب ” الفينسترا ” والذي جاء في المركز الثالث في جمع هذه الأغلبية، وهي الأغلبية التي خولت له تشكيل الحكومة و أعطته شرف رئاستها.

حدث هذا، أي تشكيل الحكومة من طرف حزب حل ثالثا في الانتخابات التشريعية، في غياب تام لأي أصوات حادة، طامحة إلى فرض تصورها وفهمها القاصر للديمقراطية وللممارسة السياسية، من خلال إقحام الحديث عن احترام الإرادة الشعبية، في مسألة أساسها القواعد والأعراف والمبادئ الديمقراطية، التي لا تخضع لنزوات أي فاعل سياسي، ولا تشكل إطارا يجيب على تصورات أي كان، بل هي نتاج لتجارب متعددة، وإجابات واقعية لإشكالات ومآزق عرفتها تلك التجارب، ولا هدف من إقرارها أو احترامها، إلا تأهيل الممارسة الديمقراطية، بحيث تكون الأغلبية البرلمانية أساس لنجاح الحكومة التي نتجت عنها، في أداء أدوارها ووظائفها، ومدخل لمساءلتها، بعيدا عن تصدير الفشل إلى البرلمان، وتعليقه على مشجب اللاتعاون و اللاتوازن بين المؤسسات.

ونحن هنا إذ نستحضر هذه التجربة الدنماركية، فذلك فقط من باب استحضار القواعد الديمقراطية، وهي قواعد متعارف عليها، تتأسس على ربط تشكيل الحكومة بأغلبية برلمانية، إذ أنه لا يستقيم تغييبها، أي مجموع تلك القواعد، ففي تغييبها تعطيل للديمقراطية.

في الحالة المغربية، تصدر حزب العدالة و التنمية الانتخابات التشريعية الأخيرة، وتم تعيين أمينه العام عبد الإله بنكيران، رئيسا مكلفا بتشكيل الحكومة، كان هذا قبل ما يزيد عن الأربعة أشهر، والظاهر أنه فشل إلى حدود اليوم في جمع أغلبية برلمانية، و بالتالي فقد فشل في المهمة التي كلف بها، وعلى ما يبدو فإن فشله مرتبط بتصوره للحكومة التي يريد، بالرغم من أنه لم يفصح أبدا عن هذا التصور بشكل مسؤول و بصفته الحكومية، لكن ما يوضح أن فشله مرتبط بشخصه و بتصوره، هو عدد الأحزاب التي أعلنت عن رغبتها في المشاركة في حكومة تحت رئاسته، وهو ما يوضح أن تصور السيد الرئيس، تصور مرفوض من طرف هذه الأحزاب، وما يفسر تصريحاته المتكررة، التي يحاول من خلالها تشويه صورة الواقع، والتغطية على فشله، من خلال إقحام مفاهيم بعيدة عن القواعد الديمقراطية وعن هذا الواقع من أجل فرض تصوره وفقط.

قد يبدو للبعض أن رئيس الحكومة المكلف لا يدافع إلا عن حقه و موقفه و تصوره، كما قد يذهب البعض الآخر، إلى الانخداع بما يغلف به هذا التصور من قيم و مبادئ، لكن إخضاع تصور الرئيس ومواقفه لمنطق الديمقراطية، وبشكل موضوعي بعيد عن النزعات الشخصية، بحيث لا يكون له أي أساس غير القواعد التي تؤطر الديمقراطية دائما و كونيا، يبين أن تصور بنكيران لعملية تشكيل الحكومة، وجعله لحزبه و لنفسه مركزا لها، ما هو إلا رغبة في اغتيال الديمقراطية، فلا حق له على الأحزاب الأخرى، وليس سليما رضوخها لرغبته و لتصوره، فحقه الوحيد و المضمون دستوريا، قد منح له عند تعيينه و تكليفه.

شاهد أيضاً

نص البلاغ الصادر عن الديوان الملكي

إصدار:  نص بلاغ الديوان الملكي بهذا الخصوص: “استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء إدخال كلمة التحقق البشري *